أزمة العرب مع الحريات

الدار البيضاء اليوم  -

أزمة العرب مع الحريات

عبد الرحمن الراشد

نحن في زمن ملاحقة الضمائر والحروف، والتضييق على المسالمين، وما حدث في فرنسا ما هو إلا جريمة واحدة من سلسلة طويلة من جرائم الذين يعتقدون أن على العالم أن يفكر مثلهم، ويكتب مثلهم، ويؤمن مثلهم. وقد أخطأت أوروبا في اليوم الذي سكتت وتسامحت فيه مع المتطرفين، وغضت النظر عن إرهاب الأنظمة والجماعات التي سعت لفرض رأيها بالقوة في التاريخ والدين والسياسة.

جريمة الاعتداء ضد «شارلي إيبدو» مجرد واحدة سبقتها عشرات مثلها. البداية عندما افتعل النظام الإيراني، المحاصر سياسيا واقتصاديا، معركة رواية لسلمان رشدي ضد بريطانيا مهددة بقتل المؤلف، ودعم أي عملية إرهابية. ومع أن بريطانيا تحدت النظام الإيراني، ولم تسحب الرواية، وحمت المؤلف من أي اعتداء، لكن فكرة ملاحقة الروائيين والرسامين والصحافيين وتهديدهم أصبحت مغرية للإرهابيين، وصارت جزءا من سياسة مزايدات الأنظمة التي تختلف مع الغرب، كجزء من الابتزاز؛ فالذي تزعم حملة على الجريدة الدنماركية هو النظام السوري وحزب الله، وحلفاء مثل الإخوان والإعلام الذي كان يسير في فلكهم. عام 2006 كان النظام السوري محاصرا، وقد أجبر على سحب قواته من لبنان بعد تورطه في اغتيال الحريري. وقد افتعل مظاهرة ضخمة في دمشق، التي لا تسمح عادة للمظاهرات إلا المؤيدة للنظام، ضد الرسوم والرسام والغرب، وتبعتها مظاهرة من ترتيب حزب الله في بيروت، وفي القاهرة تزعم الإخوان مظاهرات مماثلة. ومشى خلفهم القطيع العربي الذي لم يكن قد قرأ ولا يعرف شيئا سوى ما قيل له، ومن قبيل المزايدة انخرطت شركات وسوبر ماركتات كبيرة في دعوات المقاطعة. لم يقل أحد إن إيران التي ثارت على رواية رشدي إنها نفسها تسمح بآلاف الكتب التي تسب صحابة الرسول. ولم يسأل أحد لماذا يقود الأسد وحسن نصر الله حملة مع المتطرفين ضد صحيفة مغمورة، في حين أن أسواق بلديهما مليئة بما هو أسوأ مما نشر في الدنمارك. وها نحن نرى الحملة التي تبيض سمعة تنظيم داعش من خلال تبرير جريمة الاعتداء على المجلة الفرنسية.

طبعا، اليوم ليس كالأمس، وأحداث 2006 ليست مثل الآن، فالمتعاطفون مع القتلة والإرهابيين قلة، وهذه المرة لم تظهر مظاهرة واحدة معهم في العالم العربي. والذين خرسوا، بعضهم ربما خوفا من الأمن وبعضهم ربما وعيا بعد أن اكتشفوا أن المتطرفين والأنظمة السيئة لها أجندة تختلف عن تطلعاتهم وفهمهم للعالم من حولهم. وهناك فريق يريد الرقص على الحبال. هؤلاء يحاولون القبض على شيء من هذا، وشيء من ذاك، بإدانة جرائم الإرهاب في السعودية والجزائر والمغرب، ثم تبرير جريمة قتل الصحافيين والرسامين الفرنسيين. هؤلاء «دواعش» في صف الإرهاب، لكنهم لا يريدون إغضاب القبضة الأمنية في بلدانهم، رغم استعارتهم المقولات والتاريخ والأحاديث، لتبرير تناقضهم.

الغرب، منذ أواخر القرن السابع عشر، أي لأكثر من ثلاثمائة عام، يعتبر حرية التعبير عمود حضارته، وهي حرية جاءت عبر الدم، والصراع السياسي. من حق من يرفض هذه الحضارة ألا يعيش في كنفها، خياره الوحيد أن يبحث عن مجتمع أحادي التفكير يمنحه هذا المناخ الفكري الخاص به. لكن لا يمكن لهؤلاء فرض حصار على الفكر والحريات في هذا العالم الفسيح، واستثناء أنفسهم في مجتمعات لم تُخلق لهم. يريدون العيش في الغرب ولا يريدون التعايش مع ثقافته.

والمفارقة أن ضحايا الإرهاب غالبا هم جماعات متعاطفة مع الأقليات، مثل الذين قتلوا في باريس، هم من الليبراليين المعادين للفاشية واليمين الفرنسي المتطرف، الذين يدافعون عن حقوق الأقليات. وفرنسا هي أكثر بلد أوروبي يقف مع الثورة السورية وضد نظام إيران. والذين يريدون إرضاء المتطرفين سيجدون أنفسهم محترقين بحطبهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمة العرب مع الحريات أزمة العرب مع الحريات



GMT 19:47 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

الاثنين أو الأربعاء

GMT 19:40 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

«إسرائيل الكبرى»: الحلم القديم الجديد

GMT 19:37 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

2025 سنة دونالد ترمب!

GMT 19:34 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

هل يقدر «حزب الله» على الحرب الأهلية؟

GMT 19:31 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

أحلام ستندم إسرائيل عليها

GMT 19:28 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

بـ «السوسيولوجيا» تحكم الشعوب

GMT 19:24 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

المستهلك أصبح سلعة

جورجينا تثير اهتمام الجمهور بعد موافقتها على الزواج وتخطف الأنظار بأجمل إطلالاتها

الرياض - الدار البيضاء اليوم

GMT 18:54 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرف لقاءً مهماً أو معاودة لقاء يترك أثراً لديك

GMT 06:48 2015 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

5 نصائح من كبار مصممي الديكور لتزيين النوافذ في عيد الميلاد

GMT 11:07 2018 السبت ,15 كانون الأول / ديسمبر

تعرف علي أكثر 10 مواضيع بحثًا على "غوغل" لعام 2018

GMT 07:20 2018 الخميس ,13 كانون الأول / ديسمبر

ريال مدريد الإسباني يتفاوض على ضم المغربي إبراهيم دياز

GMT 05:05 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

باناسونيك تطور جهاز جديد مصمم خصيصا لمساعدتك على التركيز

GMT 14:25 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك محمد السادس يزور ضحايا انقلاب قطار بُوقنادل

GMT 19:07 2018 السبت ,29 أيلول / سبتمبر

تعليق العثماني على وفاة "حياة" شهيدة الهجرة

GMT 11:09 2018 الإثنين ,20 آب / أغسطس

غرق فتاة عشرينية في شاطئ ثيبوذا في الناظور
 
casablancatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

casablancatoday casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday
RUE MOHAMED SMIHA,
ETG 6 APPT 602,
ANG DE TOURS,
CASABLANCA,
MOROCCO.
casablanca, Casablanca, Casablanca