حرب تلد حربا

الدار البيضاء اليوم  -

حرب تلد حربا

بقلم - توفيق بو عشرين

في جو عاصف أحيت الولايات المتحدة الأمريكية الذكرى الـ16 لهجمات 11 شتنبر، حيث قتل الآلاف وسط ركام برجي التجارة العالمية بنيويورك، وفي مقر وزارة الدفاع في واشنطن، وذلك بعد اختطاف أربع طائرات مدنية وتحويلها إلى قنابل طائرة.

بعد أيام أطل أسامة بن لادن من كهف في تورابورا في أفغانستان، وتبنى العملية، ووقع عليها بقلم تنظيم القاعدة… فرد عليه بوش الصغير بحرب صليبية ونداء أخرق يقول: «من ليس معنا في حربنا على الإرهاب فهو ضدنا». ابن لادن اعتمد الإرهاب لتقسيم العالم إلى فسطاطين؛ واحد للإيمان والآخر للكفر، وبوش اعتمد إيديولوجيا محاربة الإرهاب ليقسم العالم بدوره إلى فسطاطين؛ واحد مع أمريكا والآخر ضدها، ولا منطقة وسطى في حرب بدأت أمريكية وصارت عالمية… ولأن الحمق مثل المصائب التي لا تأتي إلا مجتمعة، فقد اختار بوش، مدفوعا بصقور المحافظين الجدد، إعلان حربين في الوقت نفسه، فواحدة لا تشفي غليل إمبراطورية مجروحة. الحرب الأولى كانت على أفغانستان التي تؤوي تنظيم القاعدة، حيث دكت طائرات B52 البشر والحجر، أما الحرب الثانية فكانت  على العراق لأنها حسب زعم إدارة بوش تخبئ الأسلحة المحظورة وتهدد العالم الحر، واتضح فيما بعد أن هذه المزاعم كاذبة، وأن صدام لم يكن يخفي إلا خيبته.

لا المعركة الأولى نجحت في تقليل عمليات القاعدة التي أصبحت ماركة عالمية عابرة للحدود، ولا المعركة الثانية خلقت من العراق واحة للديمقراطية والحرية والرخاء في الشرق الأوسط. بالعكس، خسرت الولايات المتحدة في المعركتين معا لأنها لم تختر الأرض المناسبة، ولا السلاح الفعّال، ولا الاستراتيجية العقلانية.

صار الإرهاب صناعة دولية، وبعدما كان محصورا في جماعة صغيرة تحيط بابن لادن وأيمن الظواهري في أفغانستان، تحول الإرهاب إلى عقيدة لآلاف الشباب المهمشين والفقراء وغير المندمجين في مجتمعاتهم شرقا وغربا، وعوض أن تدفع الحرب الشرسة على الإرهاب «مشاريع الإرهابيين» إلى التراجع عن أعمالهم وعن فكرهم المتطرف، بالعكس ازدادت شهية الإرهاب مع سقوط المدنيين الأبرياء في أفغانستان، ومع احتلال العراق، ومع صدمة أبوغريب، ومع وحشية غوانتنامو، ومع زلة «الحرب الصليبية». كلما وسعت أمريكا وحلفاؤها الحرب على الإرهاب والخلط بينه وبين الإسلام، ازدادت قدرة القاعدة على الحشد والاستقطاب، وتوليد مشاعر الكراهية ضد كل ما هو غربي ومسيحي ويهودي، دون تمييز، ولا فقه للدين، ولا فقه للواقع، ولا فقه لفن الحرب.

كانت القاعدة تنظيما فحولتها أمريكا وحلفاؤها إلى فكرة، أو قل طريقا مختصرا للانتقام، ولتصريف فائض اليأس في نفوس الأفراد شرقا وغربا، في أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا، وطبعا في العالم العربي المعبأ بكل أنواع المتفجرات، أولها الفكر السلفي الجهادي الذي زرعت منهجه الوهابية، وتكفلت الراديكالية الأصولية بتحويله إلى قنابل وأحزمة ناسفة وعبوات متفجرة وخلايا نائمة ومستيقظة وذئاب منفردة… وبعدما تعبت القاعدة التي، مع كل تطرفها وعنفها وإرهابها، لم تكن تسعى إلى إقامة دولة، ولم تكن ترغب في الانخراط في الحرب المذهبية.. بعد القاعدة جاءت داعش، النسخة الأكثر وحشية للسلفية الجهادية، التي بدأت في العراق، وانتقلت إلى سوريا واليمن وليبيا ومصر، وفي كل هذه الدول أنشأت «مماليك» تابعة لأمير المؤمنين البغدادي الذي كان يحكم من الموصل، ويصدر القتل والرعب والتوحش إلى كل العالم… داعش، وبلا تردد، هي ابنة شرعية لثلاثة أطراف؛ أولها أمريكا التي احتلت العراق بعدما حاصرته اقتصاديا، وأذلته نفسيا لأكثر من 20 سنة، خسر فيها العراقي ليس فقط الحياة والأمل، بل وخسر إنسانيته. الأب الثاني لداعش هو الوهابية التي تدفقت خارج حدود السعودية، مستعينة بالبترودولار من أجل نشر فكر ديني متطرف محصور في النقل دون العقل، مشدود إلى الشكل دون الجوهر، محاولا استعادة نموذج سلف غابر دون اعتبار لتغيرات العصر وتطور الفكر وثورة العلم… أما الأب الثالث لداعش فهو إيران وحلفاؤها العراقيون الذين حولوا الحرب من سياسية مع البعث العراقي إلى مذهبية مع أهل السنة، كل أهل السنة، والنتيجة أن العراقيين والسوريين توسلوا بسلاح الردع المضاد، فارتموا في أحضان داعش، باعتبارها الأكثر دموية وتوحشا، للرد على الحرب على الهوية التي أطلقها المالكي والخزعلي ومقتدى الصدر ومليشيات الحشد الشعبي.

هكذا تبعثرت الخريطة العربية منذ 16 سنة، وانتقلنا من حرب إلى حرب، ولما أطل الربيع العربي، كآخر فرصة لإنقاذ الجغرافيا العربية من مخاطر السقوط إما في بؤرة الاستبداد والفساد أو الإرهاب والتطرف، تحالف الشرق والغرب لخنق بارقة الأمل هذه، التي تجسدت في خروج القوة الثالثة، متمثلة في الشباب، إلى شوارع العواصم العربية من أجل المطالبة بـ«خبز حرية كرامة إنسانية»، حيث جرى خنق هذا الصوت بسرعة، والرجوع إلى المعادلة القديمة: الاستبداد العربي الذي يحمي الغرب من إرهاب الجماعات الأصولية… لكن هذا الدواء هو الداء نفسه، ذلك أن الاستبداد هو الذي يخلق التطرف، والتطرف هو الذي ينعش الإرهاب…

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب تلد حربا حرب تلد حربا



GMT 15:52 2021 الثلاثاء ,16 آذار/ مارس

بايدن في البيت الأبيض

GMT 00:03 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

إذا كانت إيران حريصة على السنّة…

GMT 00:00 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب يطرد المدعي العام

GMT 00:00 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

نَموت في المجاري ونخطىء في توزيع الجثث!

GMT 00:00 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

فى واشنطن: لا أصدقاء يوثق بهم!

جورجينا تثير اهتمام الجمهور بعد موافقتها على الزواج وتخطف الأنظار بأجمل إطلالاتها

الرياض - الدار البيضاء اليوم

GMT 18:54 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرف لقاءً مهماً أو معاودة لقاء يترك أثراً لديك

GMT 06:48 2015 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

5 نصائح من كبار مصممي الديكور لتزيين النوافذ في عيد الميلاد

GMT 11:07 2018 السبت ,15 كانون الأول / ديسمبر

تعرف علي أكثر 10 مواضيع بحثًا على "غوغل" لعام 2018

GMT 07:20 2018 الخميس ,13 كانون الأول / ديسمبر

ريال مدريد الإسباني يتفاوض على ضم المغربي إبراهيم دياز

GMT 05:05 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

باناسونيك تطور جهاز جديد مصمم خصيصا لمساعدتك على التركيز

GMT 14:25 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك محمد السادس يزور ضحايا انقلاب قطار بُوقنادل

GMT 19:07 2018 السبت ,29 أيلول / سبتمبر

تعليق العثماني على وفاة "حياة" شهيدة الهجرة

GMT 11:09 2018 الإثنين ,20 آب / أغسطس

غرق فتاة عشرينية في شاطئ ثيبوذا في الناظور

GMT 08:14 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

المواطنون يرفضون إخلاء منازلهم المهددة من فيضانات "سبو"

GMT 16:14 2014 السبت ,11 تشرين الأول / أكتوبر

كايلاش ساتيارثي ناشط يتبع تعليمات المناضل غاندي

GMT 10:28 2014 الخميس ,30 تشرين الأول / أكتوبر

وفاة بريطانية أثناء إجراء عملية في مؤخرة الظهر في بانكوك
 
casablancatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

casablancatoday casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday
RUE MOHAMED SMIHA,
ETG 6 APPT 602,
ANG DE TOURS,
CASABLANCA,
MOROCCO.
casablanca, Casablanca, Casablanca